ربات المنزل الصغيرات

الطهي والتنظيف والخبز والقيام بالأعمال المنزلية: كيف يتم إعداد الفتيات من البلقان على أن يصبحن ربات منزل مثاليات منذ سن مبكرة – ولماذا يتعيّن علينا التخلي عن هذا التقليد. 

Foto: Zoe Opratko
Foto: Zoe Opratko

كتبته Šemsa Salioski، الصور: Zoe Opratko 

"سيعيدك زوج المستقبل إلى منزل والديكِ إذا وقفتِ لاحقًا بمفردك في المطبخ وأنتِ لا تعرفين كيفية إعداد البوريك بشكلٍ صحيح. والآن هلمي، وساعدينا في التنظيف. يجب أن تتألق أرضية غرفة المعيشة قبل أن يأتي الضيوف! ماذا ستقول النساء الأخريات عنّا إذا بدا المكان هنا قذرًا؟" سواء كنّ بنات أو بنات عمومة أو بنات أخ – العديد من الفتيات الصغيرات من البلقان قد تنامت إلى سمعهن عبارات مثل هذه من النساء الأكبر سنًا من محيط بيئتهن. وعلى الرغم أن هذه العبارات صيغت على سبيل الدعابة، فإن المطالب الجادة الموجهة للفتيات في سن العاشرة شائعة وموجودة حتى في عام 2020 في العديد من عائلات فيينا من مجتمعات مهاجري البلقان، خاصةً لدى مَن يأتون من مناطق ريفية ويريدون العيش خارج وطنهم وفق تقاليد قديمة عفا عليها الزمن. تهدف مثل هذه التحذيرات إلى إعداد نسل النساء لمستقبلهن المحتوم المفترض كخادمات وربات منزل وزوجات. وفي الوقت ذاته، ترتبط قيمتها بمستوى عالٍ من الالتزام داخل محيط الأسرة. منذ سن مبكرة، يتم تعليمهن دون أي اعتبارات أن يتم اختزالهن في مهام أو وظائف معينة داخل الجدران الأربعة من قِبل أسرهن ولاحقًا من قِبل شريك حياتهن بسبب جنسهن، وأنه يتعين عليهن قبول ذلك.

 

"سوف ترين، ستصبحين لاحقًا مثلنا تمامًا!"

أنا أيضًا سمعت توبيخًا لاذعًا مماثلًا في وقت مبكر جدًا من عماتي ومعارفي من مقدونيا الشمالية. على الرغم من أن أحدًا لم يخبرني بالمساواة بين الرجل والمرأة عندما كنتُ طفلة، إلا أنني أدركتُ غريزيًا أن هذا يجب أن يكون الوضع المنشود، وأن شيئًا ما كان يحدث بالفعل بشكل خاطئ مع "بنات جنسنا". غير أنني باتخاذي لشخصية «بيبي ذات الجوارب الطويلة» Pippi Longstocking * كمثل أعلى وبفم صفيق، عرفتُ كيف أدافع عن نفسي. لقد سخرتُ كثيرًا من حقيقة أنهن مازلن يسمحن لأنفسهن أيضًا بأن يُعامَلن مثل العبيد وهن مبتسمات، أو أن يُسألن مباشرةً عما إذا كانت لديهن مواضيع للنقاش أكثر إثارة من وصفات الطهي وحفلات الزفاف. وعادةً ما تقلن بعد ذلك: "سوف ترين، ستصبحين لاحقًا مثلنا تمامًا!" مع تقدم سريع للزمن، بالطبع لم أصبح كذلك. أنا اليوم، كشخص بالغ، أتعامل مع مثل هذه الاستهزاءات بطريقة دبلوماسية أكثر قليلًا مما كنتُ أفعل في السابق، ولكن بشكل متزايد في وقت لاحق.

 

"القانون" والتغير الاجتماعي البطيء في البلقان

في مقدونيا الشمالية، مسقط رأس والدي، تنتشر مثل هذه الأشكال من التنشئة بشكل خاص بين الأقليات الألبانية والتركية الأكثر مراعاةً للتقاليد. تنتمي عائلتي للأقلية الألبانية. يمتد الأمر برمته أيضًا عبر البلقان – سواء في صربيا أو البوسنة أو ألبانيا. وفيما يتعلق بالشعب الألباني، فإن أصل هذا التمييز ضد المرأة يكمن في ما يسمى بـ "القانون"، وهو القانون العرفي الذكوري المتداول شفهيًا منذ قرون، والذي ينظم الحياة الأسرية على سبيل المثال. ووفقًا لذلك، يجب أن تكون النساء ملكًا لوالديهن أولًا ثم ملكًا لأزواجهن فيما بعد. بالنسبة لبقية دول البلقان، فإن السبب الرئيسي في تباطؤ التحول الاجتماعي في العصر الحديث يكمن في عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي.

لكنني شخصيًا كنتُ محظوظة بمنزل والديّ: لم يكن يتعين عليّ أن أبذل مجهودًا ولو حتى ضئيلًا عندما كنا نستقبل زوارًا. في معظم الأوقات، لم أكن أتواجد حتى في غرفة المعيشة لألقي التحية. ولماذا أيضًا؟ أنا بالفعل لم أقم بدعوتهم إلى هنا. بالنسبة للكثيرين، كان هذا وحده يُعد فضيحة. لذلك بالنسبة لي، لم يكن هناك إكراه لتقديم القهوة وحلويات الود الزائف المعتادة. بدلًا من مشاهدة والدتي وهي تطهو أو تخبز، سُمح لي بمشاهدة الرسوم المتحركة الخاصة بي في سلام، أو اللعب بألعاب الڤيديو نينتندو دي أس Nintendo DS.

 

ارتفاع القيمة في سوق الزواج

بالنسبة لمعظم الشابات اللواتي لديهن خلفية بلقانية في محيط بيئتي الشخصية، كانت الحياة اليومية تبدو مختلفة. فهن لم يسلمن من هذا "المعسكر التدريبي العبثي للخادمات وربات المنزل والزوجات": فبدلًا من أداء واجباتهن المدرسية أو مقابلة أصدقائهن في عطلات نهاية الأسبوع، عندما كان أقارب أو أصدقاء والديهن يزورونهم، كان عليهن المساعدة في التنظيف بدءًا من سن المراهقة على أبعد تقدير، ثم الوقوف في المطبخ، وإعداد القهوة أو الشاي للضيوف وتقديمها وهن مبتسمات. لم يتغير شيء في مرحلة النضج. دائمًا ما يتم الثناء على أهل البلقان لكرم ضيافتهم، لكن واجب الضيافة يُترك حصريًا للجنس الأنثوي. إذا وضعت الفتيات بعد ذلك على الطاولة حلويات منزلية خبزنها بأنفسهن، مثل البقلاوة، تصفق العمات، ويمنحهن مجاملات سخيفة مثل "أنتِ فعلًا مجتهدة جدًا! إن عائلة زوجك المستقبلي محظوظة لوجود شخص مثلك في المنزل!".

لا يتعلق الخبز أو الطهي أو الأعمال المنزلية الأخرى أبدًا بالتشجيع على الاعتماد على النفس، وهو أمر قد لا يكون مأساويًا جدًا على الرغم من صغر السن. يتعلق الأمر دائمًا وفقط بحقيقة أن الفتيات سيتم تقييمهن لاحقًا بشكل أكثر إيجابية من قِبل أسر وأزواج المستقبل غير المعروفين حتى الآن. وعلى سبيل المقارنة، لا يتعين على الأبناء الذكور عادةً البقاء في المنزل، وهم يشعرون بالملل من ضيوف والديهم. فهم يتعلمون في وقت مبكر أن الأعمال المنزلية أو واجب الضيافة هو "شأن نسائي"، وأن أمهاتهم وأخواتهم وبعد ذلك في وقت لاحق زوجاتهم هن مَن يتعين عليهن القيام بذلك.

 

تمكين المرأة من خلال الرفض 

يقع اللوم على التنشئة وليس عليهن. نادرًا ما تكون أهداف التعليم العالي أو الأهداف المهنية الكبيرة، التي من شأنها تعزيز الاستقلال والتمكين لدى النساء، موضوعًا للنقاش في أسر الطبقة العاملة التي تعاني بالفعل من ضعف التعليم. لذلك قد تبدو مثل هذه الخيارات كأهداف عَرَضية أو غير ملموسة. لا عجب أن ينصب التركيز الأساسي في التنشئة على جعلهن خادمات وربات منزل وزوجات طيّعات. لكن كيف يمكن مقاومة شيء كهذا؟ 

 

"لن أحتسي القهوة أبدًا من يدي رجل. ابق جالسًا، يتعين على ابنتك القيام بذلك!"

إن أطفال المهجر بصفة خاصة لديهم الفرصة للتعرف على المزيد من الإيديولوجيات الحديثة، ويجب عليهم أيضًا الاستفادة من ذلك. من المؤكد أن هناك عددًا كافيًا من الفتيات والشابات اللائي، على الرغم من أساليب التنشئة الذكورية الهائلة، يدركن أن التوقعات الموضوعة عليهن هي أي شيء عدا أن تكون مواكبة للعصر، وأنه لم يعد عليهن تحمل الأمر برمته في صمت. مثال مناسب من حياتي: قبل بضع سنوات زارتنا عمتي وزوجها دون سابق إنذار. كانت والدتي في العمل، وكنتُ أنا وأبي في المنزل وحدنا. سأل عمي والدي عما إذا كان بإمكانه الحصول على فنجان من القهوة. عندما نهض والدي لإعداد القهوة، وجه له عمي عبارات: "لن أحتسي القهوة أبدًا من يدي رجل. ابق جالسًا، يتعين على ابنتك القيام بذلك!" توقف ونظر إلي في حيرة شديدة. لقد رفضتُ الانصياع لأمره الوقح بشكل لا يصدق، وفضلتُ أن أشاهد بهدوء لون وجهه وهو يزداد احمرارًا ونظرته التي تزداد غضبًا. لم يقل والدي أي شيء. اعتقدت عمتي أن ردة فعلي كانت مضحكة، لكنها بالطبع أخفت ابتسامتها، ونهضت على الفور لتحضير القهوة لزوجها في مطبخ غريب.

 

"حسنًا، في الواقع أنتِ محقة."

هناك بالفعل مَن تأثروا بالأجيال الأكبر سنًا ممن يعرفون أن العالم قد تغير، وأن توجهاتهم الخاصة يجب أن تتغير معه شيئًا فشيئًا. حتى إذا كان هذا الوضع يبدو معكوسًا، فيجب تثقيف أفراد الأسرة الأكبر سنًا إذا لزم الأمر، أو إجراء مناقشات متكررة حول هذا الموضوع. عندما سألتني جدتي بعد حصولي على درجة الماجستير لماذا بدأتُ دراسة جديدة تمامًا ولم أتزوج في نهاية المطاف حتى يتوفر لي الأمان المالي، كانت إجابتي: "يا جدتي، لم يعد هذان الأمران مرتبطين أحدهما بالآخر في الوقت الحاضر. نحن لا نعيش في قرية جبلية نائية في شمال مقدونيا في الزمن الماضي. على المرأة التي ترغب في الأمان المالي أن تذهب هي بنفسها ببساطة إلى العمل. إن إتمام الدراسة يساعد في العثور على وظائف جيدة الأجر لاحقًا. وبالإضافة إلى ذلك، فإن الزواج وحده ليس ضمانًا للأمان الأبدي، لأن الانفصال قد يجعل المرء خالي الوفاض. بينما تظل المؤهلات إلى الأبد، فالعلاقات مع البشر هي بالفعل أكثر تعقيدًا. أتفهمينني؟" أنا نفسي لم أستطع تصديق ردها على ذلك؛ ترددت لبضع ثوان ثم قالت: "حسنًا، في الواقع أنتِ محقة."

ليست كل التقاليد بالضرورة سيئة لكن لم يعد لبعضها مكان في المستقبل، لا سيما عندما تقطع أمام الشابات وداخل عقولهن الطرق التي ربما قد كنّ يرغبن في سلوكها. 

نبذة عن الكاتبة: Šemsa Salioski تبلغ من العمر 26 عامًا، وهي ذات أصول مقدونية. تدرس الماجستير في التنمية الدولية. وهي في عملها كصحفية مستقلة تهتم بالأدوار الجندرية والانفصال عن التقاليد التي عفا عليها الزمن – خاصةً في دول البلقان.

 

*بيبي ذات الجورب الطويل هي شخصية خيالية من سلسلة قصص الأطفال للكاتبة السويدية أستريد ليندغرين – تمثل بيبي الشخصية المتمردة على السلطة المجتمعية وسلطة الكبار وسلطة التربية التقليدية (المترجم)

 

 

Anmelden & Mitreden

2 + 5 =
Bitte löse die Rechnung